• Fayssal Al Baccar

يا طرابلسي... يا كبير: مدينتك أولى بك

يا كبير يا كبير يا طرابلسي... يا كبير


هل نحن فعلًا نستحق هذا اللقب "الطرابلسي الكبير"؟ ألم يكن لنا يد فيما حصل لهذه المدينة؟ ألم نكن أداة في نحر مدينتنا حتى حق فينا قول "الأيتام على موائد اللئام"؟ ألم يتوجب علينا في درب الجلجلة هذا أن نعيد النظر في طريقة حياتنا اليومية وأدائنا على المستوى الاجتماعي والاقتصادي؟

إن الهدف الرئيسي لعملية إعادة النظر هو معرفة الأسباب التي أوصلت المدينة إلى ما هي عليه اليوم. فالأزمة بأسبابها الخارجية (انفجارات -عقوبات -دين عام) ضربت لبنان عمومًا ولكننا لم نرى في لبنان ما رأيناه في طرابلس من قوارب الموت ومظاهر الجوع والفقر المدقع و اليأس. طرابلس يتيمة الأب تئِنّ وجعًا، والذي يحصل الآن ليس وليد الأزمة إنما الأزمة بثقلها كانت الريح التي أسقطت ورقة التوت عن عورة الإهمال والفسادو المؤامرة التي عانت منها المدينة. فبعد أن عُرفت بـ "باب الذهب" في أوائل القرن الماضي اقترنت طرابلس اليوم بلقب حفظناه وكرهناه جميعًا "أفقر مدينة على المتوسط".

الجواب هو أننا كنا و بغير عمد و نتيجة لسوء التوجية و قلة الوعي و الإدارة عنصراً فاعلاً في تشديد الأزمة. في واقع الأمر، إنّ الطرابلسيين، تجارًا كانوا أو إداريين أو مستهلكين، يتحملون مسؤولية كبيرة من هذا الانهيار بسبب التغاضي عن دعم كل ما هو طرابلسي. فعلى الصعيد الكبير، نحن مدينة مستهلكة ولسنا مدينة منتجة ولهذا الواقع أسباب عديدة.


في أوائل القرن الماضي اقترنت طرابلس اليوم بلقب حفظناه وكرهناه جميعًا "أفقر مدينة على المتوسط".

أولًا، نحن مجتمع متقارب ومحب ومتآخي ومترابط عائليًا ولكن للأسف لا نترجم هذه المحبة على أرض الواقع ولا نعمل بها في المعاملات التجارية والمؤسساتية بل نفضل "تنفيع الغريب بدلًا من القريب". فنعمد دائمًا إلى الاستهلاك خارج المدينة وإن تواجد البديل ونتسابق إلى محاربة مؤسساتنا التي بُنيت بدماء أبناء المدينة وعرَقهم (مدارس،مستشفيات...) بدلًا من أن نحارب لحمايتها وبقائها وازدهارها. فنجد معظم الطرابلسيين يستهلكون خارج المدينة كما ينفقون أموالهم خارج المدينة (ثياب-مطاعم-سفريات-خدمات...) مع أن البديل موجود في طرابلس وبمستوى منافس لا ينقصه إلّا ذلك الدعم من أهل البلد لمواجهة المنهج الإلغائي لكل ما هو طرابلسي المُتَّبَع في لبنان. لذلك، إنّ أفضل الجهاد في سبيل حماية المدينة هو درهم نضعه فيها يؤَمن وظيفة للشباب ويمنع عنهم شبح البطالة والتبعية. وإنّ المحبة الصادقة للمدينة تتجلى في حماية عجلتها الاقتصادية.

ثانيًا، لطالما كان الانتماء والوفاء للمدينة اللذان ورثناهما عن آبائنا وأجدادنا لكل ما هو طرابلسي موضع استغراب للعديد في مناطق أخرى. فعلى الرغم من كل الحملة الإعلامية الممنهجة والمسلطة ضد طرابلس، يبقى الطرابلسي متباهيًا بطرابلسيته و ما الشعار الثوري "يا طرابلسي يا كبير" إلا دليل واضح على هذا الإنتماء.

و لكن للأسف فإن هذا الإنتماء لا ينسحب على تمكين الفئات الضعيفة (المستضعفة) في البلد التي تشكل الأغلبية الساحقة من أهل هذه المدينة. فعلى صعيد الشركات، نلاحظ أنّ أصحاب المال يفضلون استقطاب الإداريين المستوردين من خارج المدينة على تطوير الموظفين العاملين أساسًا في مؤسساتهم الذين هم نواة التأسيس والتوسع. أما على صعيد الوظائف الصغرى، فنرى أرباب العمل يعمدون إلى توظيف يد عاملة غير طرابلسية وكأن مؤسساتنا الرسمية لم تقم بواجبها فلا تدخل مؤسسة حكومية الّا و تجد معظم الموظفين من غير سكان المدينة.


نحن الطرابلسيين لا نقيم وزنًا لابن مدينتنا ففي النهاية "إذا اشتغلت عليه بيتحسن" و لكننا لطالما أحببنا ونحب الطرق السهلة والمختصرة.

الموظف الطرابلسي"شغيل" و"بعيش معك العمر"و لكنه لا يأخذ فرصًا، وحالة التسكع والبطالة التي يعيشها ليست اختيارية بل جبرية. لماذا؟ لأننا نحن الطرابلسيين لا نقيم وزنًا لابن مدينتنا ففي النهاية "إذا اشتغلت عليه بيتحسن" و لكننا لطالما أحببنا ونحب الطرق السهلة والمختصرة. هذه الطرق المختصرة وهذا التشرذم في البيوع التجارية حوّلنا من أقوى المدن اللبنانية إلى أفقرها وجعلنا نلف حبل الإعدام الاقتصادي حول رقبتنا. نزيف الأموال هذا حطّم الدورة الاقتصادية في المدينة و حوّل خيراتها إلى الخارج. علينا ألّا ننسى أنه عندما نكبت باقي المناطق كان الطرابلسيون بدمهم و أموالهم أول المتبرعين في الوقت الذي تنزف المدينة فقراً لم نجد من الآخرين إلّا حملات شيطنة وترهيب وإقصاء. و لهذا سبب فطرابلس تشكل ماردًا اقتصاديًا ما إن يستفيق حتى يشكل منافسًا ضخمًا ونقطة استقطاب تقطع الطريق على الكثيرين إذ فيها من القدرات البشرية و المقدرات المدنية ما يؤمن التفوق و التقدم في شتى المجالات.لا بد لنا أن نتعلم هذا الدرس و أن نبدأ بأنفسنا.

تحب طرابلس، لا تكون جزء من المؤامرة على طرابلس. تحب طرابلس، اشتري من طرابلسي. تحب طرابلس، إدعم مؤسسات طرابلس. تحب طرابلس، وظّف طرابلسي و جهزه. تحب طرابلس، صيّف بمصايف أهل طرابلس. تحب طرابلس، سجل أولادك بمدارس طرابلس.

حالنا واحد ووجعنا واحد وغياب الزعيم والراعي ليس عذرًا لكي لا نتكاتف أو نتعاضد أو نتخطى الأزمات المقبلة بأقل قدر ممكن من الخسائر. في هذه الحالة وفقط في هذه الحالة نستحق إذًا لقب "الطرابلسي الكبير" ونكون بذلك على الطريق الصحيح لتحقيق نهضة المدينة من جديد في داخلها قبل خارجها وفي أحيائها الفقيرة قبل أحيائها الغنية.


عن الكاتب: المهندس فيصل البقار هو رجل أعمال من طرابلس يدير سلسلة مطاعم مع عائلته. مجاز في الهندسة المدنية من جامعة البلمند.

169 عرض0 تعليق