• Multiple Authors

مرفأ طرابلس: أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي أبدًا

لقراءة المقال باللغة الإنكليزية، إضغط هنا.



لقد خلّف الانفجار الكارثي الذي هزّ مدينة بيروت عشرات القتلى، مئات الآلاف ممن فقدوا المأوى، وأضرارًا بمليارات الدولارات، كما دمّر الميناء البحري للمدينة. يأتي هذا الحادث المروع في وقت يعصف فيه التضخم المفرط بالاقتصاد اللبناني، بينما يواصل COVID-19 الانتشار بلا هوادة. لطالما شكّل مرفأ بيروت شريانًا حيويًّا، ليس للبنان فحسب، بل للمنطقة بأكملها، حيث تعتمد عشرات المدن العربية على تدفّق البضائع والخدمات عبر هذه القناة.

مرفأ بيروت


يعدّ مرفأ بيروت أحد أهم المحاور اللوجستية في شرق البحر الأبيض المتوسط، إذ يربط طرق التجارة الأفريقية والأوروبية والآسيوية المهمة. يتدفق ما يقرب من 82٪ من أعمال الاستيراد والتصدير في لبنان عبر بيروت. بالإضافة إلى ذلك، فهو مصدر مهم للإيرادات للاقتصاد اللبناني الذي يعاني من ضائقة مالية، حيث يوفّر 250 مليون دولار سنويًا. ثمّة 300 ميناء بحري عالمي متصل ببيروت مع القدرة على استضافة 1.5 مليون حاوية سنويًا - أي أكثر من 90٪ من جميع الحاويات في لبنان. ويحتوي المرفأ على 4 أحواض و15 رصيفًا، فيما تشير التقارير إلى وجود حوض خامس قيد الإنشاء. تبلغ المساحة الإجمالية للميناء 1،200،000 متر مربع، مع حوض مائي بمساحة 1،202،000 متر مربع. كما أن للصوامع في مرفأ بيروت قدرة على تخزين ما يقرب من 120 ألف طن من المنتجات الزراعية. وعلى الرغم من عدم وجود تفكير طويل الأمد من قبل النخبة السياسية اللبنانية، الأمر الذي يتبيّن من الاعتماد على قناة واحدة للتجارة اللبنانية، فإن حقيقة الأمر أن لبنان لديه العديد من المدن الساحلية التي لعبت دورًا تجاريًا تاريخيًا.

مرفأ طرابلس حاضر للإنقاذ


بالتزامن مع الشلل المؤقت لمرفأ بيروت، لا بد من إيجاد بدائل مناسبة للتخفيف من المشاكل المتزايدة التي يواجهها لبنان. طرابلس، ثاني أكبر مدينة في لبنان، هي ذلك البديل.


يعتبر ميناء طرابلس البحري من أقدم الموانئ المستخدمة من غير انقطاع في البلاد ومنطقة الشام. ابتداءً من دورها البارز كموقع صليبي، إلى حين كونها ميناءً عثمانيًا رئيسيًا، كانت طرابلس بوابة رئيسية مجهزة بالبنية التحتية المناسبة المطلوبة لتصبح مركزًا إقليميًا.


يعتبر مرفأ طرابلس حاليًا ثاني مرافئ لبنان من حيث المساحة، بعد مرفأ بيروت. تبلغ مساحة ميناء طرابلس حوالي 3،000،000 متر مربع وتزيد مساحة المياه عن 1،500،000 متر مربع، ومساحة الأرض 950،000 متر مربع، مع مساحة تفريغ مجاورة تزيد عن 400،000 متر مربع. يتمتع الميناء برصيد متميّز في تسليم البضائع التي تتراوح من الحديد والخشب ومواد البناء والمركبات إلى غيرها من البضائع المتعددة، وذلك دون تسجيل أي مشاكل تذكر. ويعتبر المرفأ كيانًا مستقلًا إداريًا وماليًا، يخضع لرعاية القانون العام للمؤسسات العامة بموجب المرسوم رقم 4513. يدير ميناء طرابلس مجلس إدارة يتألف من 5 أعضاء لمدة 3 سنوات.


إن موقع طرابلس الجغرافي ووجودها كميناء للمياه الدافئة على ساحل غارق في عدم الاستقرار (سوريا) والشلل (بيروت) يجعلها أكثر ملاءمة لمزيد من التعزيز والتطوير. في الحقيقة، إن المساعدات التي تدفقت إلى لبنان بعد حادثة مرفأ بيروت جديرة بالثناء للغاية وملهمة، ولكن مع تقديرات الأضرار الإجمالية بمليارات الدولارات، يمكن اقتراح حل على المدى القريب والأطول مع توسيع ميناء طرابلس إلى إمكاناته. الحقيقة المؤسفة هي أن إعادة إعمار بيروت لن تتم بالسرعة التي يأملها كثيرون، بالنظر إلى الفساد المستشري وديناميكيات السلطة المرتبطة بالمرفأ. ونتيجة لذلك، فإن تحويل الأموال إلى مرفأ طرابلس تحت إدارة أكثر حيادية وغير سياسية قد يحل العديد من المشكلات التي يواجهها لبنان حاليًا.


"إن موقع طرابلس الجغرافي ووجودها كميناء للمياه الدافئة على ساحل غارق في عدم الاستقرار (سوريا) والشلل (بيروت) يجعلها أكثر ملاءمة لمزيد من التعزيز والتطوير."

يتمتع ميناء طرابلس بالعديد من الخصائص التي تشكل إضافةً حقيقية إلى تفرده على الساحل الشامي. للمرفأ منطقة خلفية تبلغ مساحتها حوالي 1،200،000 متر مربع. وهناك مناطق تخزين متاحة بسهولة يمكن استخدامها داخل الميناء والمنطقة الحرة المجاورة. تبلغ مساحة المنطقة الحرة 150 ألف متر مربع وتتفوق على المنطقة الحرة في بيروت بأكثر من عشرة أضعاف. كما لا تزال هناك مناطق واسعة غير مستخدمة توفر إمكانية سهلة لإجراء توسيعات لإنشاء المزيد من قنوات الدخول. يقع الميناء على بعد 30 كم فقط من الحدود السورية وأقل من 100 كم عن مرفأ بيروت مما يجعله مناسبًا للغاية للتجارة الإقليمية. كما توفر تكاليف العمالة المنخفضة نسبيًا في طرابلس حافزًا إضافيًا لاستخدام هذا الميناء. إن الخصائص المميزة العديدة لمرفأ طرابلس، الملخصة في الجدول أدناه، هي دليل على أنه يرقى إلى مستوى الظروف الحالية، وبمقدوره التخفيف من مأزق لبنان المؤسف.


* المنطقة الاقتصادية الخاصة هي جزء من المساحة الإجمالية.


القصور في استخدام مرفأ طرابلس


في مقابلة حديثة مع CNBC، صرح مدير مرفأ طرابلس، أحمد تامر، أن طرابلس يمكنها التعامل مع حجم وقدرة تجارية أعلى بكثير. وشدّد على ضرورة وجود خطة لوجستية مدروسة جيدًا لتسهيل الانتقال السلس لاستيعاب الجزء الأكبر من واردات لبنان عبر طرابلس بدلًا من بيروت في هذه الأوقات الصعبة. وشدد أحمد تامر، في مقابلة أخرى مع بيزنس نيوز، على استعداد طرابلس لـ "مواجهة العجز الحالي". بالنظر إلى الأرقام، يواصل تامر الإشارة إلى أنه حتى الآن، لا تتعامل طرابلس إلا مع حوالي مليوني طن، في حين يمكنها التعامل بكامل طاقتها مع ما يصل إلى 5،000،000 طن مع 70،000 حاوية في مرفأ طرابلس. يتم استخدام مرفأ طرابلس بسعة 40٪ فقط، مما يعني أن الميناء لديه القدرة على زيادة تشغيله بشكل كبير.


في تموز / يوليو 2014، أصدر بنك البحر المتوسط تقريرًا مهمًا يوضح توزيع استخدام موانئ لبنان المختلفة. وتشير البيانات إلى أن 91٪ من إجمالي الواردات المنقولة بحرًا في عام 2013 مرت عبر بيروت بينما لم يستقبل ميناء طرابلس سوى 6٪. عندما يتعلق الأمر ببيانات التصدير، تأتي الأرقام قاتمة بنفس القدر من حيث الاعتماد المفرط للدولة اللبنانية على ميناء واحد. بالنظر إلى عام 2013، مرت 84٪ من الصادرات المنقولة بحرًا عبر بيروت مقابل 10٪ من طرابلس. لأجل ذلك كله، تستنتج ليلى صوايا في منشور معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الشامل عن موانئ لبنان أن توسيع مرفأ طرابلس سيكون "مفيدًا" لمستقبل لبنان.



الإجراءات المطلوب تطبيقها


في نهاية المطاف، يلعب مرفأ طرابلس دورًا كبيرًا حين يتعلق الأمر بالازدهار الاقتصادي للبنان. وسيسمح تعزيزه بالنمو في المناطق المهمشة تاريخيًا من قبل الحكومة المركزية أثناء إعادة بناء مرفأ بيروت. إن وجود أكثر من ميناء قادر على استيعاب كميات كبيرة من البضائع سيقضي على العبء غير المتناسب على منطقة معينة، وهي بيروت. إمكانات طرابلس الاقتصادية لا مثيل لها. بدأت CMA CMG، وقد بدأت إحدى أكبر شركات الشحن في العالم، بالفعل بإنشاء مركز لوجستي لها في طرابلس.


"إن وجود أكثر من ميناء قادر على استيعاب كميات كبيرة من البضائع سيقضي على العبء غير المتناسب على منطقة معينة، وهي بيروت."

في مقابلة مع Tripolicy، ذكر تامر أن هناك خططًا لتوسيع مرفأ طرابلس والبنية التحتية ذات الصلة في سبتمبر 2020. هذه الخطط تحتاج إلى التعجيل وتنفيذها بكفاءة. من بين الخطط التي يجب ان تولى أهمية كبيرة هي قضية صوامع الحبوب. حيث انه من المثير للاهتمام أنه وفي مرحلة ليست ببعيدة من تاريخ لبنان ، كانت هناك صوامع حبوب في كل من بيروت وطرابلس. لكن لسوء الحظ ، تم اخراج الصوامع في طرابلس عن الخدمة خلال الحرب الأهلية اللبنانية. أجرى مدراء PoT دراسة بشأن بناء صوامع جديدة بسعة 100,000 طن. وبلغت التكلفة التقديرية لمثل هذا المشروع ما يقارب الـ 25 مليون دولار. لا بد أن تدرك الدولة اللبنانية والجهات المعنية أن حصر صوامع الحبوب في رقعة جغرافية واحدة يمثل خطراً على الأمن القومي و الغذائي خاصة في حال وقوع كارثة.


علاوة على ذلك، من المهم أن يتم توظيف العمالة المحلية التي تمتلك الكفاءات المطلوبة للتعامل مع الآلات الثقيلة في المرفأ، مثل تشغيل الآلات الرافعة والرافعات الشوكية. تقع هذه المسؤولية على عاتق الأطراف التي تتعاطى شؤون الشهادات والتدريب على الآلات الثقيلة. سيؤدي ذلك إلى زيادة القوى العاملة الماهرة في المدينة، بالإضافة إلى تنفيذ معايير السلامة المناسبة، وبالتالي مضاعفة الفوائد التي تعود على السكان المحليين.

خاتمة


إذا تم إعادة تشغيل مشاريع البنية التحتية الرئيسية الأخرى، مثل مصفاة البداوي للنفط ومحطة القطار والمعرض ومطار القليعات في عكار، فإن مرفأ طرابلس سيزداد أهمية. سيقلل هذا النمو من البطالة والفقر ويؤدي إلى مصادر دخل جديدة للدولة اللبنانية. على الرغم من أن الوقت قد حان منذ فترة طويلة، لم يفت الأوان للبدء. لا يزال من الممكن إنقاذ لبنان بكل إمكانياته الكبيرة.


لمزيد من المعلومات عن مرفأ طرابلس، إضغط هنا.


عن المؤلفين:

رأفت يمق مهندس بترول مقيم حاليًا في هيوستن ، تكساس وهو معلق في الشؤون العربية والشرق الأوسط ، وقد كتب سابقًا في جريدة "ديلي صباح" ، "العربي الجديد" ، "مفتاح" وغيرها.


طه ناجي استشاري في إدارة المشاريع وباحث في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية.


دانا منذر مهندسة مدنية وبيئية تسعى حاليًا للحصول على درجة الماجستير في أنظمة النقل. أصلها من منطقة رشايا في البقاع ، وهي كاتبة في مؤسسة "زفير "ومنظمة "تشاين إفكت".


257 عرض0 تعليق