• ميرنا غمراوي

طرابلس: مدينة العلم والعلماء التي لا يتعلم نصف أولادها



لطالما عُرِفتْ طرابلس بأنها مدينة العلم والعلماء حيث كَثُرت فيها المكتبات والمدارس ودور النشر. فكان فيها دار العلم، أكثر من ٣٦٠ مدرسة وأكبر مكتبة، التي كانت تضم ٣ ملايين مخطوطاً مكتوبين باليد. ولكن هل بتنا نتغنّى بتاريخها، متناسين كارثة التسرب المدرسي؟ نعم انها كارثة تتزايد سنةً بعد سنة. نرى طلاباً، ما ان يرسبوا مرتين، حتى يقرروا ترك المدرسة وقد يلجأ البعض للعمل بأجر يومي ضئيل في تصليح السيارات او بيع الخضار او جمع الحديد والبلاستيك ... اما البعض الاخر، وللأسف، فقد يلجأ للانحراف في مجالات مشبوهة ويكونون رهينة غسل للأدمغة عبر جماعات متطرفة تستهدف الفراغ المحيط بهذه الفئة من المجتمع. أرقام مخيفة لنسبة الحضور في المدارس حسب الفئة العمرية، فنرى انّ ٥٨٪ في عمر ١٥-١٩ من أكملوا تحصيلهم العلمي في مدينة طرابلس الفيحاء، حسب دراسات دولية ومحلية. وهذا معدل على كل المناطق في طرابلس، مما يعني انّ النسبة أكبر من ذلك في الاحياء الفقيرة.


المصدر: مصباح رجب 2015


لربما تتساءلون كيف لي ان اناقش هذا الموضوع في ظل الأوضاع الراهنة من تفشي للأوبئة والفساد السياسي والكارثة الاقتصادية. هذا لأنني أُؤمن انّ تداعيات التسرب من جهل وبطالة هو سبب اساسي للكثير من هذه المشاكل العاصفة في لبنان. وأؤمن ايضاً انّ الحل، ليكون جوهري، علينا بمعالجة نواته والنواة هنا هي الفئة اليافعة من المجتمع التي هي مستقبل البلاد.

مستند يلخص اهم الاسباب التي قد تدفع الطالب للتسرب من المدرسة: المدرسة بكل عناصرها (في اللون الازرق)، الاهل (في اللون الاخضر)، والاصحاب والمحيط (باللون البرتقالي).


وهنا علينا معرفة الاسباب التي تؤدي بالطالب ترك المدرسة بعمر مُبكر لإيجاد حلول جذرية، قد يكون بعضها بديهي عند قراءته ولكن نادراً ما يُطَبَّق:

واحدة من اهم اسباب الرسوب المتكرر وبالتالي التسرب من المدرسة هو طرق التعليم والمناهج الدراسية. كم منا أحب او كره مادة بسبب استاذ(ة) خلال التعليم الاساسي؟ كم منا أكمل تخصصه الجامعي في مجال معين لأنه احبه في ايام المدرسة؟ فالمعلم له دور كبير، إما في جذب الطالب(ة) للمادة او العكس صحيح. اما بالنسبة للمناهج بعينها، فهي بأكثرها تعتمد على الحفظ و "الحشو" غير المجدي للعديد من المواد مع غياب الطرق الحديثة التي تعتمد على التطبيق العملي. فعلى سبيل المثال، صف العلوم، بمعظم المدارس (وبالأخص الرسمية) يفتقر للتجارب العلمية والأنشطة اليدوية التي تجذب الطالب(ة) للتركيز والتفاعل في الصف. مثال ثاني هي صفوف اللغة، العربية كانت ام الأجنبية، تتكل وبشكل شبه كلي، على محاضرات وكلام مُكثّف لساعات عديدة في الأسبوع من غير اللجوء الى سبل تدمج المعلومة بالمرح والتجاوب. سأكتفي بهذا القدر من الأمثلة، ولكن بإمكاني اعطاك نقد عن كل مادة تُعطى في المدارس. طبعاً اللوم هنا ليس على الاساتذة فقط، لأنهم نفسهم يعانون من قلة في الرواتب والاجور، وهم جزء من المؤسسة التعليمية التي تفتقر لتمويل كافي لتجهيز المدارس والطاقم التعليمي بالدورات والمعدات الكافية لإعادة هيكلة المنهج لما يتوافق مع عصرنا. فأبسط الامثلة هي عدم وجود مساعد اجتماعي ونفسي يواكب الطلاب ويمدهم بالدعم المعنوي المطلوب، كما انّ هناك ندرة في وجود المختبرات العلمية والبرمجة التي هي جزء مهم من التعليم العصري عداك عن شح في الأدوات الكافية او حتى النية لدمج الرياضة والفنون كمادة اساسية في المنهج.. والقائمة تطول وتطول.

فاذاً ما تحتاجه المدارس الرسمية هو:

- اعادة صياغة المواد لما يتماشى مع التطور والمعرفة، وبالتالي الغاء مفهوم الحفظ الأعمى والتركيز على بناء التفكير النقدي والفهم.

هذا قد يستدعي التخفيف/أو الغاء المواد غير البناءة واضافة صفوف في البرمجة، الفنون، الرياضة.

- زيادة الدعم المادي للمدارس الرسمية لإنشاء مختبرات ووسائل تعليمية ترفيهية تساعد وتُشجع الطلاب على الانخراط في الصفوف.

- دعم الاساتذة بالدورات اللازمة لتأهيلهم وتحفيزهم على الابتكار. الدعم يكمن ايضاً بإعطائهم حقهم من اجور وفوائد.

- تحفيز الطلاب عبر اعتماد نظام التشجيع والمكافئة عبر الانشطة المدرسية ولا مدرسية.

- تأهيل المدارس لتضم مساعدين اجتماعيين ونفسيين لمواكبة الطلاب ومساعدتهم لتخطي مشاكل تواجههم في عامهم الدراسي.

- كما يمكن للمدارس تحفيز العمل التطوعي للبدء بحلقات تقوية لتمكين الطلاب من اكتساب المعرفة المطلوبة وبالأخص للطلاب الذين يفتقرون لدعم في المنزل على الصعيد العلمي.


٥٨٪ في عمر ١٥-١٩ من أكملوا تحصيلهم العلمي في مدينة طرابلس

وهنا يأتي الجزء الثاني، وهو بنفس اهمية السبب الاول وهم الاهل. فجزء كبير من المشكلة تكمن في الأهل، وضعهم المعيشي، مستوى وعيهم واكتراثهم للعلم ومتابعة الاولاد. فنرى في كثير من حالات التسرب هو إما تفكك أسري، او وفات الام أو الأب، واما ضيقة مادية (مُلحقة احياناً بكثرة الانجاب). صحيح انه من الصعب ايجاد حلول لأول سببين ولكن فيما يخص كثرة الاولاد فهنا نجد مستوى "الجهل" و "اللامبالاة" لمستقبل الاولاد. نعم، قد تكون هذه الصفتين قاسيتين على القارئ، ولكن نقدي هنا ليس عدد الاولاد كظاهرة اجتماعية، ولكن الكثرة الناجمة عن قلة الوعي عند بعض من الاهل على المسؤولية الكبيرة المترتبة عليهم لتربية الاطفال. فغالباً (وليس للتعميم) ما نرى ان الأخ الاكبر يضطر لترك المدرسة ليساهم في المدخول المادي للأسرة، او انّ الاخت الكبرى تترك المدرسة لتساعد الام في تربية اخواتها الاصغر سناً. قد تعتقد انني اتكلم عن شيء في الماضي ولكن، وللأسف، انها ما زالت موجودة حتى يومنا هذا. فهم لا يجدون اهمية للتعليم، وبالتالي لا يمكنهم أن يُقنعوا الطفل بالتعلم والاجتهاد.


وهنا عليّ التوضيح انه عندما نقول اكمال تعليمهم، ليست كمفهوم المجتمع: لكي يصبح اما طبيباً، مهندساً، او محاميا او لا شيء، بل العكس. نحن نفتقر لليد العاملة التقنية. وهذا يعود للخلل في مجتمعنا في فهم اهمية التعليم المهني بانّ لا قيمة له او ان كل من دخل التعليم المهني هو "فاشل" فلم يكمل التعليم الجامعي. وهذا خطأ كبير، لأن التعليم المهني له دور كبير ومطلوب في سوق العمل. أما العقدة الاكبر هي موروثاتهم واعتقادهم ان "كل من تخرج معه شهادات فهو الان عاطل عن العمل، فلماذا الجهد والكد في التعلم" وبات كل صغير وكبير يرددها. وهنا نعود لأول مشكلة قد ناقشناها وهي المناهج التعليمية وكيفية توجيه الطلاب لما يتوافق مع متطلبات سوق العمل.

فطريقة لمعالجة هذه الافة على صعيد الاسرة هي:

- توعية الاهل على ضرورة التعليم

- تأهيل الاهل الذين يحتاجون لدورات تعليمية في كيفية مساندة الاطفال في اكتساب المعرفة

- تحفيز الاهل في دعم اولادهم عبر

- اما الترغيب بمساندات مادية وورشات عمل تأهيلية في مختلف المواد التعليمية. او حتى الترهيب إذا استدعى الامر: اي فرض ضرائب على الاهالي الذين يسمحون لأبنائهم ترك المدرسة.

وبمناقشتنا لطرفي المشكلة: المؤسسة التربوية من جهة، والاهل من جهة ثانية، لا بد ان نشدد على اهمية التواصل بين الطرفين لإيجاد أفضل الحلول في مساعدة الاولاد. فلا يوجد طفل "غبي" انما يوجد قلة كفاءة ولامبالاة في مواكبة الطالب منذ بداية مشوراه المدرسي لمعرفة نقاط القوة ونقاط الضعف والاهم الوصول لمعرفة شغف الطفل والعمل على تنميته.

لحَبْك اهم الاسباب في التسرب المدرسي، لا يمكننا غض النظر على المحيط الذي يعيش في الطفل. فهو عامل اساسي لشعور الطفل بالكره تجاه المرسة. منها التعرض للتنمر والمضايقات من زملاء الصف وحتى الاساتذة والاهل. فلطالما سمعنا عبارات ك "انت غبي مش نافع لشي" "اترك المدرسة اشرفلك" "كم مرة ناوي تعيد الصف؟". كل هذه العبارات وغيرها الكثير تحول على تشجيع الطالب للابتعاد والهروب من هذه الشحنات. اما النوع الاخر من أصحاب الصف (او الحي) هم "اصحاب السوء" الذين يشجعون الطالب لترك المدرسة للعيش حياة "سهلة" باعتقادهم السطحي. وهنا يعود الضوء على دور الاهل في مراقبة محيط الاولاد ودور المدرسة في التحفيز على الروح الرياضية ومحاربة التنمر والاساليب المخلة لليوميات الطبيعية.

وفي النهاية اود ان اقول إنك "تحصد ما تزرعه". فاذا عملنا على دعم الجيل الجديد بتسليحه بسلاح العلم والمعرفة لا الجهل، فإننا يمكنا ضمان مستقبل أفضل لطرابلس وللبنان. فلتعود طرابلس منبراً للعلم والثقافة ولنستثمر طاقات شبابنا في العمل على الجيل أصغر لبناء مدينة أجمل، يُضرب فيها المثل وتكون قدوة للعلم والعمل.


عن الكاتبة:


ميرنا كاتبة من طرابلس ، لبنان. تحمل BS في علوم المختبرات الطبية من جامعة هايكازيان حيث حصلت على منحة دراسية. عملت في المركز الطبي في الجامعة الأمريكية في بيروت كمساعد باحث. ثم حصلت على منحة فولبرايت لعمل الماجستير في علوم الطب الشرعي والاستقصائي في IUPUI ، IN ، الولايات المتحدة الأمريكية. تضمن مشروعها استقصاءًا جينيًا للسكان اللبنانيين: من SNPs إلى STRs.

125 عرض0 تعليق