• ياسر المصري

طرابلس: عاصمة المقاومة الأولى

قد يكون القارئ قد سمع عن برنامج توأمة المدن الذي تعقده البلديات حول العالم لتوطيد التعاون بين المناطق في الدول المختلفة. ولو كان هذا البرنامج يعمل على صعيد البلد الواحد لكانت طرابلس والضاحية توأمان لا ينفصلان في التجربة. المنطقتان تعانيان نفس المظلومية حيث يصورهما الإعلام كمناطق خارجة عن القانون وبعبع يهرب منه الشخص ويقفل نافذة سيارته إذا اضطر لدخولهما. وزد على ذلك إهمال الدولة المنهجي لهذه المناطق الذي يفتح الباب للقاصي والداني لأن يستغل فقر الناس في بعض الأحياء لأهداف شخصية فيركض الإعلام المنحاز ليجعل من حادثة فردية بوابة المنطقة الإعلامية. وتعانيان معاً من فزع سكان الأطراف من تأجير منزل أو بيعه لشخص من هاتان المنطقتان خوفاً من "التغيير الديمغرافي" و "تغيير وجه المنطقة" بما تحمل هاتان العبارتان من عنصرية مقيتة. وإن تجول سائح في بعض أحيائهما لما إستطاع أن يفرق بينها لما تشتركان فيه من محاسن وألام. هذه الأمور لا تخفى على أحد وقد يعرفها القارئ ويعلم مدى عمق مظلومية وحرمان وطيبة أهل المنطقتين ولكن أوجه التوأمة تجري أعمق من ذلك بكثير: فللمدينتان حق رفع إسم "عاصمة المقاومة".


ولكن أوجه التوأمة تجري أعمق من ذلك بكثير: فللمدينتان حق رفع إسم "عاصمة المقاومة".

إن في الثقافة العامة لأهل الضاحية الجنوبية مبدأ أساسي هو "المقاومة". وكيف لا وكانت موجة نزوحهم الأكبر إلى المنطقة جرأ الاحتلال الإسرائيلي للجنوب واعتدائه المتكررة منذ ال1978. فهم في هذه الحالة الدائمة من التعبئة التي تترقب عدوان جديد في أي لحظة. ومع الاختلافات السياسية الحادة التي لا تتعلق بهذا المبدأ الذي لا يختلف عليه اثنان زاد الشرخ بين التوأمين لحد وصلت في بعض المضللين وأصحاب الفتن لنعت أهل طرابلس بالعملاء والدواعش. يؤسفني حينما أقراء هكذا تعابير أن أرى مدى جهل البعض عن تاريخ طرابلس المقاوم وريادتها فيه. لربما أكبر مساوئ منصات التواصل الاجتماعي هو أنها تعطي الميكروفون للجهلاء ومهندسي الفتن لنشر هذه الإهانات المتبادلة بدون حسيب أو رقيب. لقد قررت من خلال تريبوليسي أن أكون الصوت المضاد الذي يعلو فوق هذا الضجيج وأن أخبر أهلنا في المنطقتان عن طرابلس التي حملت لواء محاربة سايكس-بيكو والهجرة اليهودية إلى فلسطين وقيام دولة إسرائيل. فإن يعتبر الناس اليوم الضاحية الجنوبية عاصمة المقاومة في يومنا الحالي، فقد كانت طرابلس العاصمة الأولى.

إن فقدان صوت وصورة المدينة بغياب إعلام خاص بها دفن نضال المدينة في صفحات التاريخ فنُسي هناك

فطرابلس أول مدينة في لبنان رفضت بشدة فرض الأمر الواقع من المستعمر وحدوده الجديدة ووقعت عريضة رسمية عام 1922 تطلب فيها الانضمام إلى محور العروبة وسوريا الكبرى والملك فيصل في العراق. فرسمت طرابلس طريق لبنان-بغداد والوحدة أولاً. وقضى ابن القلمون البار وتلميذ طرابلس الشيخ رشيد رضى والذي كان أبرز المفكرين الإسلاميين في عصره وخليفة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده قرابة 40 سنة يحارب الصهيونية العالمية ويحذر من ضياع فلسطين. وقد أسس رضى مجلة "المنار" التي سلطت الضوء وانتقدت مشروع الصهيونية منذ نشأتها عام 1898 حتى العام 1935. فأنشأت طرابلس "المنار" الوسيلة الإعلامية المقاوِمة الأولى! وكانت كتابات رضى ملهمة لكل المفكرين الإسلاميين من حسن البنا الذي كان تلميذ رضى للإمام الخميني في موضوع الحاكمية في الإسلام. فلطرابلس نصيبها الكبير في إغناء الفكر الإسلامي وريادته في العصر الحديث.

الشيخ رشيد رضى


ولكن لعل أكبر شرف لطرابلس في مقاومة العدو الإسرائيلي واحتلال فلسطين كان لابنها البار المرحوم البطل فوزي القاوقجي الذي قاد المتطوعين العرب والبوسنيين في ثورة 1936 في فلسطين رداً على اغتيال الشهيد عزالدين القسام. ثم قاد وترأس جيش الإنقاذ العربي عام 1948 بكل متطوعيه من الدول العربية وقاتل في فلسطين عصابات الهاغانا قتال مرير أشهرها في معركة المالكية. قاد فوزي كتيبتان عسكريتان ,الأولى اسمها "القادسية" والثانية اسمها "الحسين". فشرف القتال تحت راية "الحسين" في سبيل فلسطين حملته طرابلس أولاً! ودفع القاوقجي ثمن مواقفه العروبية حياة ابنه "مجدي" الذي اغتيل مسموماً بشكل غامض. فشرف دفن الأبناء الشهداء للقادة دشنته طرابلس أولاً أيضاً.


البطل فوزي القاوقجي


قد يصدم القارئ بما يقرأ وهو يتعرف الأن على طرابلسيين و لبنانيين كانوا قدوة في العالم العربي وباتوا منسيين اليوم. فإعلام اليوم نجح في تسليط الضوء على كل تفصيل من مسيرة التحرير في الجنوب وخلق أساطير تتلى عن المقاومين جعلهم برتبة القديسين. على المقلب الأخر للأسف, وكما تطرقت إليه في مقال سابق بعنوان "تلفزيون طرابلس: صورة طرابلس المسلوبة" إن فقدان صوت وصورة المدينة بغياب إعلام خاص بها دفن نضال المدينة في صفحات التاريخ فنُسي هناك. تبقى غاية هذا المقال هو تعريف القارئ بالتاريخ الطويل الذي بذلته طرابلس في مقاومة الطغيان ليدرك الجميع أنهم أبناء نضال واحد. وأن يسلط الضوء أهمية إبراز هذا التاريخ والعمل على الإضاءة عليه لعله يلهم جيل جديد من الشباب لإعادة احيائه. والوصول لإدراك أن الإهمال بل الاستهداف التي تتعرض له أي منطقة في بلادنا ليس سوى وليدة هذا النهج الثابت من مقارعة شتى أنواع الظلم. وأمام كل هذه الأوجه من التشابه في التجربة والمصير على الناس أن تتجاوز محاولات الجلاد أن يعمق الفجوة بين الأخوة ليبرز بين سراديبها و عليها تحويل مبدأ "المقاومة" من نقطة خلاف في الشكل إلى نقطة تلاقي في المضمون والتاريخ. وقد يجادل البعض أن ما سردته عن تاريخ طرابلس المقاوم عمره قرن من الزمن والمهم هو الحاضر فأين مقاومتها اليوم؟


فردنا بصورة والصورة بألف كلمة. فهل هناك أبلغ من ساحة النور من التحرير إلى ١٧ تشرين قبلة لكي تثبت أن طرابلس تحمل لواء مقاومة الظلم أو طغيان في أي ظرف ومكان، والباقي كله تفاصيل؟ والله لا, وتبقى العاصمة الثانية للبنان، العاصمة الأولى للمقاومة في العالم العربي وفي هذا التفصيل الصغير الكثير من الدلالات.



عن الكاتب:

المهندس ياسر المصري هو مؤسس موقع تريبوليسي. يتابع الأن دكتوراه في الهندسة المعمارية في جامعة جورجيا تيك في الولايات المتحدة الأمريكية.


131 عرض0 تعليق