• Kifah ElMera'bi

شوارع طرابلس بعيون مغترب

فرنكين فرنكين امّ الربع فرنكين..

طري يا كعك ساخن..

تبرِدْ تبرد تبرد تعْ.. تعَا بُورِد تعا بورد تع..


هكذا أذكر مناداة بائعي الكاتو، والكعك بجبنة، والجلاب، أمام مدرسة الزاهرية للبنين أواخر السبعينات، والتي كانت مقابل بيتنا تماما في شارع لطيفة من مدينة طرابلس الفيحاء، عروس المتوسط، وقبلة العاشقين لأرواح أبنائها المغتربين.




ما كان يعكّر غطيط نومي العميق صباحا الا صوت جدتي رحمها الله، ذات المسبحة الطويلة بتسعة وتسعين حبة، وهي لا تسأم من مناداتي مرة بعد أخرى "قوم.. قوم.. طلع الضو.. شوف الاولاد بالشارع بلّشو يروحو عالمدارس." يتبع ذلك طرق الباب من أم محمد بائعة الحليب، والتي كانت تسكن في (حوش) لها جهة منطقة الغرباء مع مزرعتها الصغيرة ببضع بقرات وخرفان.


كتبي المبعثرة على طاولة السفْرة من مساء الليلة الماضية، ما كان يجمعها في صباح اليوم الدراسي وأنا في طريقي للمدرسة، إلا مطّاط (مغَّيطة) خفيف رقيق عرضه اثنين سنتم تقريبا وفيه حديدتان على أطرافه، جهة معكوفة وأخرى مسطحة، يشبك بعضهما بعضا، تلفّها حول الكتب كي تبقى متماسكة. كنا نقلد الشباب الذين يحملون كتبهم هكذا لا في حقيبة، لسبب أظنه تبيان حالة النضوج والخروج من عقدة الحقيبة المدرسية.


كانت ترويقتي في كل صباح كعك ناشف من فرن المير القريب من مدرسة مار الياس للآباء الكرمليين، (أتشتشها) بالحليب الساخن ثم ألتهمها بسرعة ثم تضع لي والدتي سندويشة لبنة وزيتون في حقيبة المدرسة. أما إن كنت محظوظا، فكانت بعض الفرنكات تزيّن جيبي أشتري بها منقوشة زعتر مع علبة عصير (بون جيس) خلال فترة (الفرصة) في مدرستي، مدرسة الأمريكان أو مدرسة طرابلس الإنجيلية للبنات والبنين.


لا أدري لم تجول في خاطري الآن مناظر وأصوات الباعة في الشارع إذ كانت الفيحاء تستقبلك بوجوه أبنائها الطيبين يسعون لرزقهم من أجل قوت عيالهم، تملأ شفاههم عبارات الأمل ببركة هذا النهار الجديد والرزق الحلال.


هنا بائع السحلب الساخن في الشتاء يلاعب علبة القرفة يرش بها وجه كاسة السحلب المزينة بالزبيب. وهنا بائع البليلة (الحمص والفول العريض المسلوق) يلفّ بتفنن عجيب الورقة من بقايا مجلة العربي الكويتية، يضع فوقها شرائح الحامض ورشات الفلفل والكمون. وهنا يتجول باعة مصبّات القهوة يعزفون ألحان الرزق بفناجينهم الدافئة الصباحية. أما بائع الكعك المنفوخ مع أوراق لفات السماق الصغيرة والى جانبه بائع الكعك بجبنة مع منقله الصغير، فقد كانا أوفر الباعة حظا في طوابير اصطفاف التلاميذ عليهم كل صباح.

أهٍ يا طرابلس، كم أنت جميلة بأرواح أبنائك الطيبين..


لا زلت أحفظ الطريق تماما وكأني أنظر الى الحوانيت والدكاكين أمامي الآن. فهذه سيارة أبو غسان المرسيدس ملتصقة بباب الكراج مربوطة بالجنزير خوف أن يسرقها أحد! وهذه بقالة أبو محمد المصري الذي كان مؤذنا في جامع الحميدي غربي منطقة الدباغين، وفي البناية فوقه بيت أصدقاء إخوتي آل أبو لقمة وكحيل، وهذا مشغل جيراننا بيت الخوجة لصناعة الأثاث، وعلى مفترق الطريق تجاه مدرستي بيت جدتي لأمي رحمها الله بناية حلمي ياسين حيث تتجه شمالا آخر الشارع لدخول المدرسة.


ما كان لولدٍ في التاسعة من عمره ان يتخيل أن مستقبله سيخلو من تلك الطرقات. وبدل أن تزدحم بنا حارات طرابلس القديمة نكحّل عيوننا بأسواقها وشوارعها صباح مساء غدونا ننظر الى شوارع شيكاغو وضواحيها. ربما نظيفة نعم، واسعة نعم، مضيئة بالليل نعم ولكنها خالية من الروح..

طرابلس..


أيا مدينة العاشقين لروح الحياة..


ستبقى ذكرياتك واحةَ أمنٍ لفكر مشغول بضوضاء المهجر، ومدادَ خير يبث للعالمين من أريج أزهار بساتينك مسكا وعنبر..


عن المؤلف:

الشيخ كفاح المرعبي هو الإمام والمدير العام للمركز الإسلامي للصلاة في شيكاغو وممثل دار الفتوى اللبنانية في أمريكا ولاية الينوي.


277 عرض0 تعليق