• ياسر المصري

تلفزيون طرابلس: صورة طرابلس المسلوبة

من منا لا يذكر إبان أحداث جبل محسن والتبانة والثورة السورية عندما وقفت إحدى المذيعات الشهيرات في لبنان على شاشة كبرى بعباءة سوداء على ساحة التل وأعدت تقريرها عن المدينة. في الحقيقية لم يكن محتوى الكلام في التقرير ذات أهمية ولو شاهده الناس والتلفاز على مستوى الصمت لكانوا أخذوا العبرة نفسها: إن طرابلس هي مشروع لإمارة داعشية تقمع الأقليات والحريات فحذروا منها. هذه الفوبيا المعقدة المتجذرة في تاريخ قائم على الهلع الدائم لدى الأقليات في المنطقة من فقدان ما قدمه الاستعمار لهم من سيطرة غير متوازنة على أقاليم مرسومة بدقة تؤسس لتوترات من جراء الاختلال قي التوازن بين السلطات والشعوب. كما كانت طرابلس في أعين الإعلام اللبناني مشروع لمنظمة التحرير سابقاً والبارحة مشروع إمارة داعشية واليوم مشروع سلطنة عثمانية ربما غداً تصبح مشروع دولة داحس والغبراء أو كل ما يتطلبه البعبع الجديد للجم الشعوب ومحاربة وحدتها.



هنا تأتي طرابلس المدينة المتنوعة العربية والعروبية بتاريخها ورجالاتها الذين لم تسعهم ال 10452 كلم مربع ووجدوا فيها عمق تاريخي وديني يجوب العوالم. فكانت صندوق بريد منذ تأسيس لبنان الكبير لكل من أراد إيصال رسائل للعالم العربي والإسلامي والمسيحي أيضاً وحتى للأقليات. إن في تنوع المدينة الديمغرافي "التاريخي" والذي لم يكن وليدة موجات النزوح والإستيطان غير شرعي التي حصلت في الحرب الأهلية كما حصل في مناطق أخرى في لبنان يجعل من رسائلها ذات ثقل أكبر وأعمق لأنه يهدد وجود تاريخي للفئات وليس متجدد. إن هذا الواقع جعلها دائمة الاستهداف لكل من يخشى الانفتاح العربي بكل ما يحمل في طياته على المستويات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية. فعندما تخدم المدينة أجندة مالكي محطات التلفزة كما حصل في 17 تشرين نراها عروس الثورة وتأتي نفس المذيعة أم العباءة وتقيم ندوة في ساحة النور على التلفاز معبرة عن حبها للمدينة. وهكذا دواليك عبر القرن الفائت تُلبس المدينة عباءة أو كوفية أو ثياب البسطاء أو زي رقاصة حسب الطلب.

وهكذا دواليك عبر القرن الفائت تُلبس المدينة عباءة أو كوفية أو ثياب البسطاء أو زي رقاصة حسب الطلب.

فالسؤال الأهم هو متى نستعيد السيطرة على صوتنا وصورتنا أمام اللبنانيين والعالم؟ إن واقع لبنان الطائفي الذي يقسم مناطقياً محطات التلفاز وغياب تلفزيون أساسي في العاصمة الثانية للبنان يكون واجهتها أمام العالم يضعها تحت رحمة المحطات التي تفصل حسب أجندتها الصورة المناسبة لها. أتعجب دائماً لماذا تذهب المحطات إلى أكثر الأحياء فقراً وحرماناً حصراً ليسألهم المذيع أسئلة عن الاقتصاد والفكر السياسي والعمل الحكومي والعلاقات الدولية! إن الاختيار المقصود لهذه المناطق والأشخاص وتغييب ذوو الخبرات والمناطق التي كان لها نصيب أعلى من الإنماء قد فعل فعلته ورسم في عين اللبنانيين غير الطرابلسيين كاريكاتور عن الطرابلسي بلكنته الثقيلة وهويته الفقيرة والشعبية وأجوبته البسيطة التي تصبح أضحوكة بين الناس يتناقلونها على وسائل التواصل الاجتماعي للنكت. وجعل من صورة المدينة أحياء فقيرة يلعب فيها أطفال مشردين كرة القدم وتتراكم الزبالة على أطراف أزقتها.


على القارئ أن يفهم أن ليس المقصود هو إخفاء هؤلاء المظلومين أو تجريدهم من قصة طرابلس التي هم جزء لا يتجزأ منها. لكن حصر المدينة بهم ومناطقها الأكثر فقراً وكأن ليس فيها من الأحياء الراقية والمتعلمين والمثقفين ما يكفي لبنان وأكثر هو مظلومية بحق الاثنان معاً. تخيلوا لو أن الإعلام في بيروت يصور في أزقة الباشورة وزقاق البلاط حصراً ويتعامل من الوسط التجاري أو فردان أو الحمرا كأنها ليست موجودة. إن حصر الصورة في منطقة عوضاً عن أخرى هو تغييب جزء من الصورة وتضليل ممنهج ومقصود لتشويها.


وبغير استرداد صورتنا وصوتنا من من يزورنا لكيلا يزورنا أحداً أخر لن يتغير شيء.

ليس بالترجي والتمني نصلح هذا الخلل. وبغير استرداد صورتنا وصوتنا من من يزورنا لكيلا يزورنا أحداً أخر لن يتغير شيء. إن علينا بذل جميع الطاقات المالية والعلمية والفنية لإنشاء تلفزيون في مدينة طرابلس بأعلى المستويات أولى أهدافه نقل الصورة الواقعية والحقيقية عن المدينة للمشاهدين أجمع. كما عليه إعداد أفلام وثائقية عن تاريخ المدينة الذي يتناسى منهج التاريخ للدولة أنه موجود، ورجالاتها الذين أعد مقالاً كاملاً عنهم ترقبوه قريباً. ويصبح منصة ثقافية لاكتشاف المواهب الطرابلسية والإضاءة عليها لكي تأخذ حيز أكبر من المشهد الثقافي اللبناني أبعد من لهجة ونكتة. والأهم من كل ذلك أن يبرز تنوع المدينة بدون انتقائية لأنها مدينة يعيش فيها فوق النصف مليون لبناني وعربي وفيها تعيش الكوفية والعباءة والطربوش وزي الراهب والعمامات وكرافات الأغنياء ورداء الفقراء وتي شيرت الشباب الثائر والراقص على أنغام الحرية. هي طرابلس التي نعرفها، ومن حقنا وعلينا نحن فقط أن نكون من يخبرعنها ويعرف العالم عليها.


عن الكاتب:

المهندس ياسر المصري هو مؤسس موقع تريبوليسي. يتابع الأن دكتوراه في الهندسة المعمارية في جامعة جورجيا تيك في الولايات المتحدة الأمريكية.

184 عرض0 تعليق