• Karim Ardati

الدولة المدنية: من لبنان الكبير إلى لبنان الجديد


منذ أن وُجدت متصرّفية جبل لبنان ١٨٦١ ككيان سياسي مستقل الى حد ما من الباب العالي العثماني واشتغلت الاقلام اللبنانية حينها لتأسيس ما يسمى الهوية اللبنانية وترسيخها في نفوس مواطنيه. ومع انهيار السلطنة العثمانية التي نخر الوهن عظمها لعقود طويلة من الزمن، سيطر عليها أتباع سياسات التتريك القسري وشرعوا بقمع الشعوب العربية ومنها اللبنانيين في المتصرّفية كما في المدن الساحلية ايضا.وفي العام ١٩٢٠، بعد دخول الجيش الفرنسي الى الاراضي اللبنانية، أعلن تأسيس دولة لبنان الكبير التي ضمّت كبريات المدن الى المتصرّفية لا بل حتى قامت بوضعها تحت نفوذ المتصرّفية السياسي.


انقسم اللبنانيون حول الكيان الجديد، رأى قسم منهم انه فرصتهم لتشكيل دولة لهم تتمتّع بمقوّمات دولة فعلية ذات مرافق اقتصادية مهمة خاصة تلك الموجودة في المدينتين الممتازتين طرابلس وبيروت والوصول الى المساحات الزراعية الشاسعة في سهل عكار والبقاع. في حين رأى القسم الآخر من اللبنانيين ان الكيان الجديد هو عبارة عن احتلال جديد، وسلخٌ من الجغرافية الطبيعية واختلاق حدود جديدة لم تكن موجودة بينهم وبين الدول العربية المحيطة وسلخٌ ايضا من تاريخ عميق ومتجذّر مع مدن بلاد الشام الأخرى. فمَن يقبل بأن يتحوّل الى طائفة اقلية في وطن مصطنع على قياس الآخرين بعد ان كان امتدادا لأمة تاريخية عظيمة؟ والخطأ التاريخي هنا انه تم ضم هذه الأراضي للكيان الجديد رغما عن كثيرين لم يتم الاستماع الى اصواتهم الرافضة.


واستقرّ هذا الخلاف الطويل ما بين اعلان لبنان الكبير في العامل 1920 حتى الاستقلال في العام 1943 على ان لبنان ذو وجه عربي ودولة وسطا بين الغرب والشرق. يشدّ المسيحيون لحاف الغرب نحو الوطن الجديد، ويستجدي المسلمون باخوانهم العرب عند الحاجة. ولأن الشعب - أي شعب - يصطنع لنفسه الارضية التي تخوّله ان يتعايش بسلام ويعمل على ايجاد طرق لملاقاة شركائه في الوطن، تناسى المسلمون نداءهم الى الانضمام الى سوريا خاصة وان توازن القوّة كان ميّال للمسيحيين، فكان من العبث مواجهته والا انقلبت الى حرب اهلية خاسرة.


وبقي الحال على هذا المنوال، حتى فاضت القوى القومية في مصر وفلسطين في العامين ١٩٥٨ و ١٩٧٥ تباعا، ووجد المسلمون فرصتهم لاسترجاع دورهم التاريخي في المنطقة، ورفض عملية التقزيم التي مارسها الفرنسيون قسرا بحقّهم. واستفادوا من دخول الفلسطينيين ليعيدوا التوازن في ميزان القوة الداخلي. ودافع المسيحيون عن نفوذهم وحصلت الحرب الاهلية بين جناحي هذا الوطن الحبيب الذي تدمّر على مدى ١٥ عاما.لم تنتهي هذه الحرب الا عندما حصل نوع من التوازن بين نفوذ المسلمين مع المسيحيين في العام ١٩٩٠. وحصل هذا التصحيح التاريخي في اتفاق الطائف لخطئ ارتكبه الانتداب عندما رسّخ الطائفية وميّز فئة دون فئة.


لم تنتهي هذه الحرب الا عندما حصل نوع من التوازن بين نفوذ المسلمين مع المسيحيين في العام ١٩٩٠. وحصل هذا التصحيح التاريخي في اتفاق الطائف لخطئ ارتكبه الانتداب عندما رسّخ الطائفية وميّز فئة دون فئة

وها نحن اليوم نشهد فيض قوة ايران المجاورة فتطفو في نفوس ابناء هذا الوطن من الشيعة. ولكن الفرق هذه المرة، ان الغاية ليست لتصحيح خطئ تاريخي واعادة توازن الحقوق لابناء الوطن الواحد. ولكن الغاية الآن هي على العكس، الغاية اليوم هي اختلاق خطئ تاريخي آخر على غرار خطأ الانتداب الفرنسي بتكريسه الطائفية وتقوية فئة لبنانية على أخرى. هو خطأ تاريخي جديد سينسف كل التضحيات التاريخية والنضالات الشعبية التي قام بها كل اللبنانيين على حد سواء ان كانت للدفاع عن حقوق مكتسبة او الى استرجاع حقوق سليبة عبر فرض تبعية لبنان الى الدولة الايرانية بقوة السلاح ومن هنا مسألة تهديده للكيان اللبناني. وهذا ما سيرفضه حتما كل اللبنانيين.


لبنان بعد ١٠٠ عام، هو لبنان الذي يريده المسلمون والمسيحيون ان يكون لبنان متعدد الطوائف خدمة للقضية العربية، هو نفسه الذي طالما رفضوا ان يكون دولة مواجهة في الحروب ضد اسرائيل، هو لبنان البلد المساند للقضية العربية وليس المواجه للكيان الاسرائيلي بسبب عدم قدرة لبنان الموضوعية على المواجهة وبالتالي عدم جدواها في هذه الظروف وفي ظل تفاوت القوّة الرهيب. هو لبنان الذي يحارب اسرائيل العدو بشراسة بتعدديته المناقضة ليهودية الدولة العبرية، وبتفوّق ابنائه بالعِلم، وصروحه التعليمية، ومستشفياته الحديثة، وان يكون لسان العرب المدافع عن القضية المركزية، يردّ على حجج العدو بالحجج. ويصارعه في المنتديات الدولية بالعقل والحجج والمنطق ويناصر اخوانه الفلسطينيين بذلك. هي مقاومة غير مسلّحة. لا تستعمل سلاحها الا للدفاع عن ارض الوطن اللبناني. لبنان البلد المواكب للحداثة الغربية والسبّاق اليها قبل ان ينتشر الى اخوانه العرب. هذا لبنان الذي نريد. لاجل ذلك يرتضي المسلمون فيه التخلي عن فكرة الانضمام الى سوريا ويرتضون الحفاظ على الدولة الجديدة وان يعيشوا فيها شركاء متساوين مع اخوانهم في الحقوق والواجبات ولأجل لبنان الرسالة تخلّى المسيحيون عن امتيازاتهم لبنائه.


انه لبنان الذي ارتضى فيه المسيحيون ايضا ان يتنازلوا عن حقوقهم المُعطاة من الاستعمار لكي يتعايشوا مع اخوانهم المسلمين على قدم المساواة. وارتضوا ان يكونوا شركاء حقيقيين للمسلمين لا ان يكونوا فئة مميّزة عن غيرهم. لان الاوطان لا تُبنى الا بالعدل والمساواة.


وهو الوطن الذي لا بد ان يرضى الشيعة فيه ان يكونوا مواطنيين متساويين مع غيرهم، وان يتخلّوا عن سلاحهم لصالح الدولة وان يعودوا الى كنف الدولة اللبنانية. لأن وجود هذا السلاح اليوم في ايديهم حُكرا وهو مُعطى من الجمهورية الايرانية يُمثّل اختلالا في ميزان القوى الداخلي وتمييز لهم دون غيرهم. وبالتالي سيتطلّب عملية تصحيح لهذا الخطأ التاريخي الجديد نأمل أن لا تكون على غرار حرب اهلية شبيهة بالعام ١٩٧٥. ولا بد ان تكون هذه الدولة اللبنانية مرجعيتهم الوحيدة دون غيرها. هكذا تُبنى الأوطان بالمساواة والعدل.


هكذا يُضحّي الجميع، ليحيا الجميع سوية. طريق التضحيات لا بد منه والا فلا مهرب من طريق الحروب الاهلية لتصحيح اي خطئ تاريخي يحاول البعض اختلاقه اليوم. وهكذا نلغي الطائفية المقيتة فلا مناصفة بين المسلمين والمسيحيين ولا مثالثة بين المذاهب الثلاثة الكبرى. بل دولة مدنية كل افرادها متساويين فيها امام القانون بالحقوق والواجبات بغض النظر عن دينه ومذهبه.


عن الكاتب:

كريم عرداتي تخرّج من مدرسة الفرير طرابلس-قسم العلوم العامة وحصل على بكالوريوس في الهندسة المدنية من الجامعة الامريكية في بيروت.كما يتباع الآن دراسة الماجيستير في علم الادارة من كلية الدراسات التكميلية في جامعة هارفرد في بوسطن وحاصل على شهادات احترافية في ادارة المشاريع وله خبرة في ادارة المشاريع الانشائية في لبنان والكويت

155 عرض0 تعليق