• Ahmad Tallawi

التَّصميم المدنيّ لمدينَة طرابُلس

عريقةٌ في كُلِّ ما تَحمِلُه، لُؤلُؤةَ المُتوسِّط، وقَلبٌ حَضنَ مُعظم ثقافاتِ العالم، حيثُ حطَّ في رُبوعِها العَديد من حضاراتِ العالمِ القَديم، وأُخيضت على أرضِها معارِك جمّة. تأَسَّستْ طرابُلس على يدِ الفينقيّين في القَرنِ الثّامَِنِ قَبلَ الميلاد، إلّا أنَّها ازدَهرَتْ في عَصْر السّلوقيين والرّومان، وما لَبثَ أن فُتحَت على يدِ العَربْ عامَ 638م أي 17هـ. وفي عام (700م - 81هـ) اسْتولَى عَليها الصّليبيون بعدَ أن دُمِّرَت تمامًا، ليسْترجِعَها

منهم العربَ المُسلمون في عَهدِ السُّلطان قَلاوون عامَ (1109م - 503هـ)، ومن ثمّ إعادَة بِنائها وترميمِها مِن جديد.


إلّا أنّ هذه المدينة قَد كُتِبَ عليها المَخاضُ طويلًا، ففي عام ( 1289م - 688هـ) دُمِّرت ثانيةً في صِراعِها مع المَصريين، لتَخضَع نهايةً للدّولةَِ العُثمانية. تِلك التَّحوُّلات، الصّراعات والتَّقلُّبات الحضاريّة التي شهدَتها طرابُلس استَّمدَّت منها طوابعَ مِعماريّة مُختلِفة جعلَها مُتفردةً بجمالِها. فمعَ دخولِ المدينة تحتَ قبّة السّلطنةَِ العُثمانيّة، ارتكَز تصميمُها المدنيّ على احتضانِ المدينةِ للمُجتمعِ الإسلاميِّ ومؤسَّساتِه المدنيّة مثلَ المسجد، السّوق، القضاء والمَرافق التعليميّة والصّناعيّة الخ.


ومن الثّقافَة الاسلاميّة استمدّت طرابُلس مبادئ العُمرانِ والعَمارَة على الشّكل الآتي:


مبدأ الأولويّات:


حيثُ أُعطيَت للمسجِد والمَدارس الأهميّة الكُبرى، لذلك تَجِد المَساجَد عبارة عن نقطةٍ مركَزيّة تُحيطُ به الوحدات السّكنيّة بصورةٍ مُتلاحِمة مُجتمعة حولَه، إضافةً إلى الأسواق و تَقسيماتَها ممّا يتناسب مع موقعِ كُلٍّ مِنها حسبَ قُربِه أو بُعدِه عن المَركَز (المسجد)، فمثلا أسواقَ البهائم و الأعلاف و الدّباغة كانت تُوضعُ في أماكنَ بعيدةٍ عن المَسجد احترامًا لحُرمَته، أمّا عن أسواق العطّارة والذّهب فقد كانت قريبةً منه.



مَبدأ الاحتواء:


وهوَ تَوجُّه العمارة بأشكالِها كافّة نحوَ الدّاخلِ في تجاهلٍ لجميعِ أوجُه البناءِ الخارجيّة، سواءً كانت مدينة أو بناء صغير. حيثُ إنّ الاهتمام بالدّاخل مقدّمَا على جميعِ الإهتماماتِ المُتعلّقة بعمليَّةِ البناء.والاحتواء مفهومٌ يَضربُ بعُمقٍ في تَصميمِ الحَضارة والثّقافة الإسلاميّة، كَما يَتجلّى في الفَّنّ واللّباسِِ والتَّكوينِ الاجتماعيّ، وقد وَجدَ طريقَهُ إلى العمارة، فالنَّاظرِ بتفحُصٍ يجدُ هذا المَبدأ متجليّا في البيوتِ الطرابُلسيّة العتيقة من باحاتٍ داخليّة و منافِذ ضوئيّة.


مَبدأ الظهور:


عكْسَ الاحتواء، فهو مبدأٌ يؤكِّدُ الجانِب الخارجيّ المرئيّ لنسيجِ العمارة وهيكَلِها؛ ففي نسيجِ المدينة الإسلاميّة المُتشابك تأتي أَفنيةَ المساكِن والميادين العامّة لتُكبّر من حدّة نسيجِ الاحتواء، ولعلّ أبرزَ مثالٍ على ذلك ساحةَ التّلّ في طرابُلس.

ساحة التل

مبدأ الطبقات:


تتكوّن المَدينة من طبقاتٍ مُتتاليةٍ من الفراغاتِ ذاتِ الأحجامِ المُختلفة، بدءً مِنْ ساحاتِ المدينة وصولًا إلى الفراغِ الخاصّ بكُلِّ فردٍ على حِدى، وما يقالُ عن الفراغ ينطبِق أيضًا على العناصِر المكوّنة للفراغِ من جدرانٍ وأسقُف وأرضيّات وما يصاحِبها من عناصر أثاث أو عناصر زخرفيّة أو إنشائيّة، وقد تأثّرتَِ الطبقاتُ بتضاريسَ مدينة طرابُلس وتوجُهها نحو الشّمس وبكثافَتها السكانيّة أيضًا.

فطرابلُس من النّاحية التاريخيّة هي تراكُمٌ لطبقاتٍ من البناء تركَت آثارها في النّسيج العمرانيّ للمدينة بدءً بالفتح الإسلامي المَملوكيّ وصولًا إلى العصر العثمانيّ، كَما يُجسّد الجامع المنصوريّ الكبير مثالا لمفهومِ الطبقات في عمارةِ هياكلِ المدينة.

مدينة طرابلس القديمة

مَبدأ التّكرار:


وهو المُرادف العَددي للطّبقات الذي يُشكِّل في مُجملِه الشّكل النهائيّ للمدينة؛ فطرابُلس في شَكلها النهائيّ هي تكرارٌ عدديٌ للبيوت المُتلاصقةِ جنبًا إلى جنب بأفنيَتها المفتوحة، مما يشكل نموذجًا عشوائيًا متناسقًا في آنٍ واحد (The Cluster Model of Development of the City).


مَبدأ التنغيم:


يُعتبر التنغيم في التّشكيل المعماريّ من القيمِ الواضحَة التي تَظهرُ في التّعبير المعماريّ للواجهات في عمارَة مدينةِ طرابلس، وخاصّة في المباني العامّة مثلَ التي يظهَر فيها التَّنغيم بايقاعٍ منتظمٍ مع اختلافٍ في المُستوى، وقد ظَهر ذلك في النُّقوش و غيرها، وظهرَ أيضًا في الفُتحات ((Pointed Arches & Semi-Circular Arches) التي انتشرَت في المباني الطّرابلسيّة حيثُ استعمالَ الحجارةِ كَمادّة للبناء.


مَبدأ التّكامُل:


يُعتبر تكامُلَ الفراغاتِ وتداخُلها من أهمِّ القيَمِ التّصميميّة لعمارَة مدينة طرابُلس وخاصّة في المباني السكنيّة. تَظهر هذه العلاقة الفراغيّة في ارتباط فراغ غرفِ الأدوارِ العُليا بفراغِ الأدوار السُفلى، وتظهرُ أيضًا في التّصميم المدنيّ فتتأكّد في التباين والانتقال المُفاجئ من الفراغ الضيّق المُلتوي إلى الفراغِ الأكبرِ في السّاحاتَِ العامّة، وتُساعد هذه الظّاهرة على امتصاصِ الهواء وتفريغِه وتجديده داخلَ المُدن.

اسواق طرابلس

مَبدأ الحصن:


كانَت عمارةُ البيوتِ الطرابلُسيّة عبارةً عن مجموعة من المنازلِ تكاتَفت مع بَعضِها البَعض، وتمّ إنشاء الطُّرق القَليلة المساحة زيادةً في العامِل الأمنيّ وسهولةً في الدِّفاعِ عن هذه الحارات وَقت اشتدادِ الأزمات، وأصبحَت كلّ حارةٍ من حاراتِ طرابُلس عبارَة عن كُتلةٍ من الأبنية المُتراصّة، ولكلّ حارة بابٌ أو أكثر يُقفل في المساء كبابِ الحديد، بابِ الرّمل، باب التّبانة...)، أمّا عن الشّوارع فكانت عِبارة عن أزقّة مُترابِطة، أمّا عنِ المباني فَقد تبدو مِن الخارج فقيرةَ المَظهر على عكس داخلِها الذي يضجُّ ويعجُّ بكلّ ما يشتهيه الطرابلُسيّ من جمالِ التَّخطيط وحُسن الإقامة وكثرةِ الزّخارف.


مَبدأ الاستدامة:


بهذا المَبدأ يَتجلَّى الإبداع التّخطيطيّ والتّصميمي في العَمارة الطّرابلسيّة في تحقيقِ التّوازنَِ المُناخيّ أو ما يسمى التّكييف وذلك ليسَ عن طريقِ إضافةِ أجهزةٍ، إنّما عن طريقِ التّخطيط والتّكوين المعماريّ والاهتمام بالفَناء الدّاخليّ، إذ يُعدّ هذا الأخير من سِمات البيتِ في طرابُلس والذي جاءَ تلبيةً لاحتياجاتٍ مناخيّة واجتماعيّة، فهو ضروريٌ لتُداعِب الشّمس البيوت المُتلاصِقة إضفاءً للدّفء والإنارة الطبيعيّة، وتكييفِه طَبيعيّا بالبُحيراتِ والنّوافير تقليلًا من الحرارةِ وتوفيرًا للجوّ اللّطيفَِ المُناسب للعائلة، كذلك فإن الفناء يلبّي الاحتياجات الاجتماعيّة بحيثُ تُفتح الفُتحات في الطابق الأرضيّ على الفَناء و ليس على الخارج كي لا يتُم كشفَ البيوتِ المُلاصقة للأزقّةِ والشّوارع من الخارِج.عَبْر هذه المبادئ يتَّضحُ الدّورَ الكبير الذي لعِبتهُ الحَضارة الاسلاميّة في إرساءِ قواعِد الحضارةِ والمدنيّة داخِلَ مدينة طرابلس، حيث تركَت هذه المفاهيم بصماتِها على المدينة، إذ قدَّمَت لسُّكانِها الخصوصيّة والشفافيّة والرّاحة في السّكن والخدماتِ بجميع أنواعِها.


ولعلّ أبرزَ ما يتمُّ الخلوص لهُ يتمثَّل بالآتي:


1- إنَّ للحضارةِ الإسلاميّة دورٌ أساسيٌّ ينعكِس على النَّسيجِ الحضاريّ لطرابلس.

2- قِوامُ مدينةِ طرابلس قد بُني على أساسِ العلاقةِ القائمة ما بين البَشر على التَّعايُش والتَّعامُل الحضاريّ.

3-تمثَّلت العمارَة الطرابلسيّة المُستمدَّة من العمارة الاسلاميّة بعمارَة المساجِد والوَحداتِ السَّكنيّة المُحيطَة بها بصورةٍ مُتلاحمة ومًجتمعة حول المسجد ممّا عكَس صفة التَّلاحُم والتَّعاطُف.

4- استمدَّت المدينة تخطيطَها وعمارَتها من الجوانب الفكريّة للدّين الاسلاميّ، وعكسَت ذلك في الجوانب الثقافيّة والحضاريّة فلم تكُن عمارةً مفروضةً على الإنسان بل نابعةً من صَميم حياتِه وفكره.

5- تُمثِّل مدينةَ طرابلس نموذجًا لمعظَم المدن العضويّة التقليديّة ذات عمليّة النّمو المُتسلسلة طبيعيًا مع احتياجاتِ المُجتمع.

التَّصميم المدنيّ لمدينَة طرابُلس

وعلى ضوءِ تلك المبادئ والاستنتاجات، لا بدّ من أن تتُم الاضاءة على بعض التّوصيات والتي تتمثَّل بالآتي:


أولًا: ضرورةَ الحفاظ على الشَّكل المعماريّ للمدينة القديمة والعمل على تَطويره أو توفيرِ الخدمات اللاّزمة لهذهِ المناطق، معَ الحفاظِ على الطّابع المعماريّ والتخطيطيّ لها، إذْ لا بُدَّ من أن يكون هناك أُسلوبًا خاصّا في التعامُل مع المدينة القديمة من الناحية التخطيطيّة كونها تحمِلُ أبعادًا تعبيريّة، وإرثًا حضاريّا وواقعًا خاصّا.


ثانيًا: الدّراسة الجديّة والعميقة للأنماط المعماريّة والتخطيطيّة للمدينةِ القديمة وذلك من أجلِ وضع المبادئ والأسُس التي يجب أن تُؤخذَ بعينِ الاعتبار في المُحافظة على الطّابع المعماريّ المُميّز لمدينة طرابلس.


ثالثًا: توظيف القيَم والخصائص المعماريّة التقليديّة في عمليات التحديثِ الحَضريّ لما تحملُه من معانٍ تُعبِّر عن ثقافة وعادات المُجتمع، وأيضًا تُعبِّر عن خصائصِ البيئة المكانيّة في المدينة، على أن تُطوَّر هذه الدّلالات الرَّمزيّة بصورة عصريّة تتلاءمُ مع واقعِ العصر.


في الخِتام، طرابُلس مدينةٌ لا يُمكِن ذكرُها ووضعُ نقطة، إذ منها تُستمدُّ هيكليّة معماريّة أصيلة ذاتِ طابعٍ يتَّسمُ بالدَّيمومة والجَمال والرّاحة.


*يود فريق تريبوليسي أن يشكر الاستاذ أحمد شندر على صوره لهذا المقال. لمزيد من الصور و الفيديوهات الرائعة من قبل الاستاذ شندر، اضغط هنا.


عن الكاتب:

حصل المهندس أحمد تلاوي على شهادة في الهندسة المعمارية من جامعة بيروت العربية. تلاوي أيضاً مصمم جرافيك، و مهتم بالقراءة و الرياضة.



259 عرض0 تعليق